يحلم كل أب وأم بأن يكبر طفله وهو واثق من نفسه، قادر على اتخاذ القرار، ومؤمن بقدراته، ولا يستسلم بسهولة عند مواجهة الصعوبات. لكن كثيرًا من الآباء يحاولون الوصول إلى هذه النتيجة بطريقة عكسية دون أن يشعروا، من خلال كثرة النقد والتوبيخ والتركيز المستمر على الأخطاء.

فقد يسمع الطفل يوميًا عبارات مثل:

  • لماذا لا تركز؟
  • أخوك أفضل منك.
  • أنت دائمًا مهمل.
  • متى ستتعلم؟
  • كم مرة سأعيد الكلام؟

ورغم أن الهدف من هذه العبارات غالبًا هو دفع الطفل إلى التحسن، فإن أثرها قد يكون مختلفًا تمامًا عما يتوقعه الوالدان.

فالأطفال لا يبنون ثقتهم بأنفسهم من خلال التوبيخ، بل من خلال التشجيع والتقدير والشعور بأنهم قادرون على التعلم والتطور.


الفرق بين التوبيخ والتوجيه

عندما يرتكب الطفل خطأً، يكون أمام المربي طريقان.

الطريق الأول: التوبيخ

مثل:

"أنت فوضوي."

"أنت لا تفهم."

"أنت سبب المشكلة."

هنا يتحول التركيز من السلوك إلى الطفل نفسه.

والرسالة التي تصل إليه هي:

"أنا شخص سيئ."

الطريق الثاني: التوجيه

مثل:

"الغرفة تحتاج إلى ترتيب."

"دعنا نفكر معًا في طريقة أفضل."

"أنت تستطيع أن تقوم بذلك بصورة أفضل."

هنا نركز على السلوك وليس على قيمة الطفل أو شخصيته.


لماذا يحتاج الطفل إلى التشجيع؟

كما يحتاج الجسم إلى الطعام، تحتاج شخصية الطفل إلى التشجيع.

فالطفل يتعلم من خلال التجربة والخطأ.

ويتعثر أحيانًا.

ويفشل أحيانًا.

ويحتاج في هذه المراحل إلى شخص يؤمن بقدرته على التحسن.

عندما يشعر الطفل أن والديه يريان نقاط قوته، يصبح أكثر استعدادًا للمحاولة والتعلم.

أما إذا شعر أن كل ما يفعله غير كافٍ، فقد يفقد الحماس من الأساس.


النقد المستمر يضعف الدافعية

بعض الآباء يعتقدون أن التركيز على الأخطاء يجعل الطفل أفضل.

لكن ما يحدث غالبًا هو العكس.

عندما يسمع الطفل النقد طوال الوقت، قد يبدأ في الاعتقاد أنه لن ينجح مهما حاول.

فيقول لنفسه:

  • "لا فائدة."
  • "أنا دائمًا مخطئ."
  • "لن أستطيع فعلها."

ومع الوقت تتراجع ثقته بنفسه ورغبته في المحاولة.


انتبه للكلمات التي تكررها

الأطفال يسمعون كلمات الكبار أكثر مما نتخيل.

ومع التكرار تتحول هذه الكلمات إلى جزء من الصورة التي يكونها الطفل عن نفسه.

إذا ظل يسمع:

  • أنت ذكي.
  • أنت مسؤول.
  • أنت تتعلم بسرعة.
  • أحسنت المحاولة.

فإنه يبدأ في رؤية نفسه بطريقة إيجابية.

أما إذا ظل يسمع:

  • أنت فاشل.
  • أنت كسول.
  • أنت مهمل.
  • أنت لا تفهم.

فقد يبدأ في تصديق هذه الأوصاف أيضًا.

ولهذا فإن كلماتنا ليست مجرد أصوات عابرة، بل رسائل تساهم في تشكيل شخصية الطفل.


التشجيع ليس مدحًا مبالغًا فيه

من المهم التفرقة بين التشجيع والمدح المبالغ فيه.

بعض الآباء يمدحون أبناءهم في كل شيء حتى عندما لا يكون هناك جهد حقيقي.

وهذا قد يفقد المدح قيمته.

التشجيع الفعال يركز على الجهد والسلوك.

مثال:

بدلًا من:

"أنت عبقري."

يمكن القول:

"أعجبني أنك واصلت المحاولة حتى نجحت."

بدلًا من:

"أنت الأفضل."

يمكن القول:

"لقد بذلت مجهودًا كبيرًا في هذا العمل."

وهكذا يتعلم الطفل أن النجاح مرتبط بالاجتهاد وليس فقط بالصفات الثابتة.


احتفل بالمحاولات لا بالنتائج فقط

أحد أهم مبادئ التربية الإيجابية هو تشجيع المحاولة.

فالطفل لا يحتاج إلى الشعور بالفخر عندما ينجح فقط.

بل عندما يجتهد أيضًا.

إذا درس جيدًا لكنه لم يحصل على الدرجة التي كان يتمناها، يمكن أن تقول:

"أنا فخور بالمجهود الذي بذلته."

هذه الرسالة تعلم الطفل أن قيمته لا تتوقف على النتيجة وحدها.


لاحظ السلوك الإيجابي

كثير من الآباء يلاحظون الأخطاء بسرعة، لكنهم لا ينتبهون للسلوكيات الجيدة بنفس الدرجة.

فالطفل قد يرتب غرفته فلا يسمع تعليقًا.

لكن إذا تركها غير مرتبة يسمع التوبيخ فورًا.

ومع الوقت يتعلم أن الاهتمام يأتي عند الخطأ فقط.

لذلك حاول أن تلاحظ الأمور الإيجابية:

  • عندما يساعد أخاه.
  • عندما يرتب ألعابه.
  • عندما يتحدث بأدب.
  • عندما يتحمل مسؤولية معينة.

فالتقدير الصادق يشجع على تكرار السلوك الجيد.


لا تقارن طفلك بأحد

من أكثر الأساليب التي تضعف ثقة الطفل بنفسه المقارنة.

مثل:

  • انظر إلى أخيك.
  • ابن عمك متفوق أكثر منك.
  • زميلك أكثر التزامًا.

قد تؤدي المقارنة إلى نتيجة عكسية تمامًا.

فبدل أن تدفع الطفل للتحسن، قد تجعله يشعر بالنقص أو الغيرة أو الإحباط.

الأفضل أن نقارن الطفل بنفسه:

  • أنت أفضل مما كنت عليه الشهر الماضي.
  • مستواك تحسن.
  • أصبحت أكثر مسؤولية.

وهكذا يشعر بالتقدم الحقيقي.


اسمح لطفلك بالخطأ

الطفل الذي يخاف من الخطأ يخاف من التعلم.

لأن التعلم نفسه يعتمد على التجربة.

وعندما يتعامل الوالدان مع الأخطاء باعتبارها فرصًا للتعلم، يكتسب الطفل شجاعة المحاولة.

أما عندما يشعر أن كل خطأ سيقابل بالتوبيخ أو السخرية، فقد يتجنب التجربة من الأساس.


ابنِ علاقة آمنة

أقوى أنواع التشجيع ليس الكلمات فقط.

بل العلاقة نفسها.

عندما يشعر الطفل أن والديه يحبانه ويقبلانه حتى عندما يخطئ، يصبح أكثر ثقة بنفسه.

ويصبح أكثر استعدادًا للاعتراف بأخطائه والتعلم منها.

فالطفل لا يحتاج إلى والدين مثاليين، بل يحتاج إلى والدين يؤمنان بقدرته على النمو والتطور.


التوازن مهم

التشجيع لا يعني تجاهل الأخطاء.

ولا يعني المبالغة في المدح.

بل يعني أن نصحح الخطأ باحترام، ونلاحظ الجهد، ونشجع التقدم، ونبني الثقة.

فالطفل يحتاج إلى التوجيه، لكنه يحتاج أيضًا إلى الشعور بأن هناك من يرى نقاط قوته ويدعمها.


الخلاصة

الثقة بالنفس لا تُبنى بالصراخ ولا بالتوبيخ المستمر ولا بالمقارنات، بل تُبنى من خلال التشجيع والتقدير والشعور بالأمان. فعندما يركز الوالدان على الجهد بدل الأخطاء فقط، وعلى التقدم بدل الكمال، وعلى التوجيه بدل الإهانة، فإنهما يساعدان طفلهما على تكوين صورة إيجابية عن نفسه. والتربية الناجحة ليست أن نجعل أبناءنا يخافون من الخطأ، بل أن نجعلهم يؤمنون بقدرتهم على التعلم والنمو بعد كل خطأ.

  • Currently 0/5 Stars.
  • 1 2 3 4 5
0 تصويتات / 36 مشاهدة
نشرت فى 6 أغسطس 2026 بواسطة byotna

ابحث

تسجيل الدخول

عدد زيارات الموقع

25,680,146

تعالَ إلى بيوتنا على فيسبوك