لا أحد اليوم يجهل أن ثمة تداعيات صحية متعددة لمشكلات التلوث البيئي والتغيرات المناخية التي تطال بالضرر جميع مناطق كوكبنا. وقد استفاضت في الحديث عنها دراسات طبية كثيرة، وعلى سبيل المثال سجل ارتفاع حالات الإصابة بالحساسية وبأمراض الجهاز التنفسي وبأمراض شرايين القلب والدماغ وبأمراض الجهاز الهضمي، ولوحظت زيادة انتشار الأمراض المعدية كالملاريا والنزلات المعوية وغيرها.
وكثير منا لا يدرك بالفعل أن هناك عددا من السلوكيات اليومية التي نقوم بها دون أي مبالاة، ودون أي إدراك لتداعياتها، ترفع من وتيرة التلوث البيئي وتزيد من تفاقم هذه المشكلة.

دعونا ننظر في هذا المثال التالي كسلوك حياتي شائع، وهو رمي الأطعمة وإلقائها في النفايات، أو ما يُعرف بـ«هدر الأطعمة» Food waste. وكانت عدة دراسات علمية وطبية سابقة قد طرحت موضوع علاقة التأثيرات البيئية والتغيرات المناخية بمشكلة «هدر الأطعمة» وإلقائها في النفايات، وعرضت في نتائجها حقائق قد تثير استغراب البعض وقد تُثير دهشة البعض الآخر، ولكنها تظل حقائق تستحق التأمل الجاد والاهتمام من كل الناس.

وفي أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، نشرت مجلة «إنفايرومنتل سينس آند تكنولوجي» Environmental Science & Technology الصادرة بصفة نصف شهرية عن المجمع الأميركي للكيمياء (ACS) دراسة علمية حول تلك العلاقة. وقبلها في نوفمبر (تشرين الثاني) 2009، نشر الباحثون من المؤسسة القومية لأمراض الجهاز الهضمي والكلى والسكري، نتائج دراستهم حول نفس الموضوع في مجلة «بلوس وان» PLoS One العلمية الصادرة عن «هيئة المكتبة العامة للعلوم» PLS، التي تضم أطباء وعلماء بالولايات المتحدة.

وتحت عنوان «توقفوا عن هدر الأطعمة» ذكر الباحثون من المجمع الأميركي للكيمياء أن من أبسط ما يُمكن لأي واحد منا فعله لخفض التلوث البيئي وتبعاته، هو الحد من إلقاء الأطعمة في النفايات، وقال الباحثون إن إنتاج الأطعمة في الولايات المتحدة وحصادها وتحضيرها للمستهلكين ونقلها وطهيها وغير ذلك من حلقات سلسلة وضع الطعام أمام الإنسان في الطبق لتناوله، يتطلب استهلاك 1.4 مليار برميل من النفط سنويا.
هذا فقط في الولايات المتحدة ذات السكان الذين تعدادهم نحو ثلاثمائة مليون شخص، وإحصائيات وزارة الزراعة الأميركية تؤكد أن الناس في الولايات المتحدة يلقون في النفايات 27% من الإنتاج السنوي للأطعمة.
وبأجراء عمليات حسابية لمجمل إنتاج الأطعمة وتصدير أنواع منها والاستيراد لبعض أنواعها، تبين للباحثين أن رمي الأطعمة في النفايات يعني استهلاك 350 مليون برميل من النفط دونما أي استفادة منها، ما يعني تلقائيا تلويث البيئة بالمواد الناتجة عن استخدام تلك الملايين من براميل النفط دونما أي جدوى للبشرية.

وأكد الباحثون أنهم يتوقعون أن يكون الرقم الحقيقي أعلى من هذا الرقم بمراحل، وذلك بالنظر إلى عدة معطيات، لا مجال للاستطراد بعرضها في هذا المقال. وقالوا في نتائج دراستهم إن العمل على الحد من سلوك هدر الأطعمة هو فرصة لحفظ الطاقة والمساهمة في ضبط الارتفاع الحراري العالمي.

وكان الباحثون من «المؤسسة القومية لأمراض الجهاز الهضمي والكلى والسكري»، أكثر دقة في دراستهم عام 2009 حول هذا الأمر. وقالوا إن هدر الأطعمة مرتبط باستهلاك لا مبرر له في المياه العذبة وفي مصادر الطاقة، مما يعني ارتفاع كمية غاز الميثان وغاز ثاني أكسيد الكربون في الغلاف الجوي للأرض. وباستخدام أساليب حسابية معقدة، قال الباحثون إن نسبة هدر الطعام «لكل رأس من الناس» Per capita، ارتفع بشكل تدريجي بنسبة 50% منذ عام 1975، وبالتالي وصل هذا الهدر الغذائي إلى حد 1400 كالوري (سعرة حرارية) للإنسان في كل يوم، أو ما يُعادل بالنسبة لكل السكان في الولايات المتحدة، نحو 150 تريليون كالوري في كل عام.

وتتمثل التأثيرات البيئية السلبية لهذا السلوك في بعض مظاهرها، بالاستهلاك الذي لا داعي له لنحو ربع كمية المياه العذبة المستهلكة سنويا، ولأكثر من 300 مليون برميل من النفط سنويا.

وقال الباحثون إن هدر الأطعمة له دور سلبي أيضا في مشكلة السمنة التي أصبحت حالة وبائية في الولايات المتحدة. ذلك أن زيادة وفرة الأطعمة ورخص ثمنها أمام المستهلك، تجعله غير قادر على التوفيق بينها وبين احتياجات جسمه. وهو ما يُعرف بـ«تأثير الدفع) (push effect).
واقترح الباحثون أن العمل على تقليص «فائض الوفرة» يسهم في تخفيف مشكلة السمنة وتخفيف مشكلة التلوث البيئي.
إن مشكلة شيوع سلوك هدر الأطعمة، واضحة. والأرقام التي تعرفنا بتبعات هذا السلوك، واضحة أيضا. ولا تحتاج الحلول إلى عناء شديد، بل هي غاية في البساطة. والأمر برمته لا يحتاج إلى تعليق. وإن كنا ننسى أولئك الذين لا يجدون ما يأكلون، وإذا كنا نسينا أننا نضيع أموالنا بأيدينا في شراء وإعداد أطعمة لا حاجة لنا بها، فعلى الأقل نفكر في نظافة كوكبنا وحفظنا للمياه العذبة فيه.

المصدر: د. حسن محمد صندقجي / استشاري باطنية وقلب مركز الأمير سلطان للقلب في الرياض [email protected]
  • Currently 85/5 Stars.
  • 1 2 3 4 5
30 تصويتات / 633 مشاهدة

ابحث

تسجيل الدخول

عدد زيارات الموقع

16,183,624

تعالَ إلى بيوتنا على فيسبوك