ويسهم الدور الجنسي في أزمة الذاتية أكثر مما يسهم أي دور آخر . ذلك أن الدور الجنسي يتضمن الكثير مما تتضمنه الأدوار الأخرى فهو يتضمن الكثير من الأحكام الدينية والقيم الخلقية كما يتضمن تحديد المهنة والدور الأسري والكثير من سمات الشخصية وخصائص السلوك الاجتماعي وعلى ذلك فإن أي اضطراب في هذا الدور ينعكس أثره على أزمة الهوية بشكل واضح .

ولكن من أين يأتي هذا الاضطراب في تحديد الدور الجنسي ؟ إن هذا الدور يكتسب في مرحلة متقدمة جدا من حياة الإنسان فحتى صغار الأطفال يستطيعون أن يصنفوا أنفسهم من الناحية الجنسية فيجيبون على الفور عندما يسألون عن جنسهم، أنا ولد أو أنا بنت، ليس هذا فقط بل أن الطفل في نفس الوقت يجد أنه يعامل باعتبار أنه ذكر معاملة تختلف عن معاملة البنت وتبدأ هذه المعاملة المختلفة في الثقافة التي نعيش فيها بإعطاء الولد اسما مختلفا عن اسم البنت كما قد يحدد لكل منهما نوع مختلف من الملابس والألعاب وطريقة اللعب وغير ذلك.

وتستمر هذه التفرقة طول الحياة، فيتوقع من الذكر أن يكون أكثر استقلالية وموضوعية ونشاطا أقوى على التنافس أكثر مهارة في المهنة منطقيا مغامرا قادرا على اتخاذ القرارات بسهولة واثقا بنفسه طموحا مستعدا لأن يقود دائما . هذا في حين تتوقع الثقافة من الأنثى أن تكون على درجة أقل من الرجل في هذه الصفات أما من الناحية الإيجابية فتقيم الثقافة لدى البنت بدرجة أكبر صفات مثل : الرقة والإحساس بمشاعر الغير واللباقة والتدين، والأناقة والهدوء والاهتمام بالأدب والفن والقدرة على إظهار مشاعر الحنو على عكس الرجل بالطبع في هذه النواحي . هذا إلى جانب أنه في توزيع الاختصاصات في العمل فإن المتوقع في الثقافة التقليدية أن يكون مجال المرأة هو المنزل وتربية الأطفال في حين يكون مجال الرجل يعمل خارج المنزل وحتى إذا شاركت المرأة الرجل في العمل خارج المنزل فإن هناك أنواعا من الأعمال يتوقع أن تكون مناسبة لها أكثر من غيرها : كالتدريس والتمريض في حين أن أعمالا كالتعدين والبناء تكون مناسبة أكثر بالنسبة للرجل.

هذا هو الدور الجنسي النمطي لكل من الجنسين كما تحدده الثقافة التقليدية وقد تصل هذه النمطية في تحديد الدور الجنسي إلى حد المثالية أحيانا، بمعنى أن الصفات التي تحدد دور كل من الجنسين لا تحظى من الثقافة بمجرد التقدير فحسب بل أحيانا لا يعتبر الرجل " رجلا " أو المرأة " امرأة " إذا لم يرتفع إلى المستوى المثالي لتلك الصفات، فسمة الأنوثة أو سمة الذكورة قد تزول عن الشخص كلية إذا ما غابت عنه صفة من هذه الصفات.

فإذا كان الدور الجنسي واضحا ومحددا في الثقافة بهذه الدرجة وإذا كان الطفل يتعلمه منذ نعومة أظفاره، فلماذا يعاني المراهقون إذن من أزمة في تحديد الدور الجنسي ؟ الواقع أن الأزمة لا تتعلق بما إذا كان المراهق يعرف أو لا يعرف ما تتوقعه منه الثقافة في هذا الدور فهو يعرف جيدا ما يتوقعه منه الكبار في أي مجال ولكن تتعلق الأزمة بطبيعة هذا الدور النمطي ذاته أي بما إذا كان المراهق يريد أو لا يريد أن يكون شبيها بذلك النمط فالأزمة إذن أزمة تقييم وليست أزمة معرفة.

فإلى جانب ما تحدده الثقافة التقليدية، هناك أيضا ما هو مستحدث مما قد يستهوي الشباب بشكل أكبر وهناك كذلك تأثير جماعة الرفاق والواقع أن معظم ما يتعلمه الأطفال عن الجنس يتعلموه من الرفاق وليس من الوالدين وكما سبق أن أشرنا هناك أيضا تلك العوامل التي تتصل بنمو المراهق الذاتي أي بظروفه الخاصة في التنشئة الاجتماعية، وما يترتب عليها من تصوره لذاته . فالأطفال الذين ربوا في بيوت كان فيها كل من الوالد والوالدة يقوم بما هو متوقع منه القيام به تقليديا ( أي أن الأم تخصص كل وقتها للبيت وتربية الأطفال، ويعمل الوالد في الخارج فقط ) هؤلاء الأطفال يكون اتجاههم نحو الدور الجنسي مختلفا عن اتجاه أولئك الذين ربوا في بيوت يعمل فيها كل من الأب والأم في الخارج ويشاركان في أعمال المنزل حيث يرى الأطفال في الحالة الأولى أن الدور الجنسي يختلف بالنسبة للذكر عنه بالنسبة للأنثى كل الاختلاف في حين يرى الآخرون أن الدور الجنسي متشابه بالنسبة للجنسين . كذلك فإن البنت التي تشتغل أمها في الخارج تميل إلى أن تؤهل نفسها لأداء نفس الدور، والطفل الذي يربي على أساس من الاختلاف بين الولد والبنت ينشأ وقد كون مفهوما عن الدور الجنسي يختلف تماما عن مفهوم ذلك الطفل الذي دعم لديه اتجاه المساواة.

فإذا أضفنا إلى ذلك كله ما يتوقعه كل جنس من الآخر في هذه المرحلة ما يتوقعه الولد من البنت وما تتوقعه البنت من الولد وما يجول بأحلامهما عن مستقبل هذه العلاقة دون أن يسمح لهما بتحقيقه إلا بعد فترة طويلة من الحرمان لدوافع جديدة قوية ومتدفقة وإذا أخذنا في الاعتبار أيضا طبيعة النمو العقلي للمراهق الذي يبدأ الشك في الحكمة مما كان يأخذ به قضية مسلمة وهو صغير إذا أخذنا كل هذه العوامل في الاعتبار نستطيع أن نقدر ما يمكن أن يقع فيه المراهق من أزمة فيما يتعلق بالدور الجنسي .

فإذا أخذنا البنت التي نشأت على أساس من المساواة بين الجنسين، والتي استقر لديها مفهوم عن الدور الجنسي، لا يختلف كثيرا عند البنت عنه عند الولد كيف تتعامل في هذه المرحلة مع الجنس الآخر ؟ هل تعطي لنفسها الحرية في التحدث والجلوس والخروج معهم وإعطائهم الفرصة في الاتصال بها في المنزل واتصالها هي بهم كذلك بما يتمشى مع مفهومها عن الدور الجنسي ؟ أم أنها تخشى سوء الفهم فتحرص أكثر على سمعتها مما يتنافى مع هذا المفهوم ؟ وهل تستجيب لنداءات الجنس الآخر في المغامرات العاطفية أم أنها تلتزم بثقة المنزل الذي أعطاها الحرية معرضة نفسها بذلك لرفض جماعة الرفاق ؟ .

وعلى العكس من ذلك إذا أخذنا مثالا للبنت التي ربيت في الريف على أساس من الثقافة التقليدية من حيث الطاعة العمياء والمركز الثانوي بالنسبة للولد والتي أكملت بنجاح تعليمها حتى نهاية المرحلة الثانوية متفوقة على أخيها الأكبر هل تقبل في هذه المرحلة أن تقعد بالمنزل وتقبل من يفرض عليها للزواج تمشيا مع تصور الدور الجنسي في الثقافة التقليدية أم ترفض ذلك في سبيل إرضاء طموحاتها وآمالها وتشككها في حكومة هذه القيم وعدالتها ؟ .

وبالنسبة للولد : ما هي الاختبارات التي يقوم بها للتعبير عن نموذج الذكورة في تصوره ؟ عند اختياره للمهنة مثلا هل يضع في اعتباره المركز الاجتماعي دون الالتفات إلى الناحية المادية أم يختار على أساس مقدار ما يدره له هذا العمل أو ذاك من دخل ولو كان ذلك على حساب صفة من الصفات التي تدخل ضمن مفهوم الدور التقليدي للرجولة ؟ هل يعمل مع أبيه أم يعمل مستقلا ؟ هل يتوفر على الدرس والتحصيل لإرضاء قيمه الذاتية، أم يستجيب لجماعة الرفاق التي تدعوه إلى المغامرات العاطفية ؟ هل يختار الزوجة على أساس من الارتباط العاطفي، أم على أساس من المصلحة الذاتية، أم على أساس ما تختاره له الأسرة ؟ وهل يختارها ربة بيت أم مشاركة له في حياته العملية حتى تساعده في الدخل ؟

ليست هذه سوى نماذج قليلة جدا لما قد يقع فيه المراهق من بلبلة واضطراب فيما يتعلق بالدور الجنسي ولكنه كاف لتوضيح أثر التناقضات التي يعيش فيها المراهق والتي تجعل من الصعب عليه تحديد هويته من خلال تحديده للأدوار التي عليه أن يقوم بها راشدا .

على أن الحصر الشامل لجميع الحالات التي يواجه فيها المراهق تحديد هويته، يقتضي منا أن نقرر أن بعض هذه الحالات لا يكون بهذه الدرجة من الصعوبة وإن كان في تقديرنا أن الحالات الصعبة هي التي تشكل الأغلبية ولكن على أي حال فإن عرض جميع النماذج الثقافية التي يتعرض لها المراهق قد يكون له فائدة أخرى وهي أنه يضع أمام أعيننا العوامل الفارقة التي تعتبر من الأهمية بمكان كبير في تفسير الظواهر المتعلقة بتحديد الهوية .

  • Currently 265/5 Stars.
  • 1 2 3 4 5
89 تصويتات / 1685 مشاهدة
نشرت فى 26 يونيو 2007 بواسطة byotna

ابحث

تسجيل الدخول

عدد زيارات الموقع

17,162,218

تعالَ إلى بيوتنا على فيسبوك