وجد بالبحث أن المراهقين الذين يمكن أن نصفهم في فئة المغتربين هم أولئك الذين يشعرون باليأس من إصلاح الأمور والغضب من مظاهر الادعاء والتظاهر ورفض هذه المظاهر كذلك فهم يشعرون بالإحباط ونفاذ الصبر وعدم القدرة على احتمال المظاهر المادية للمدينة الحديثة .

فلقد وجد في بحث أجريت فيه مقارنة بين ثلاث مجموعات : مجموعة تعاني بشدة من الاغتراب ومجموعة لا يبدو لديها أية علامات للاغتراب ومجموعة ثالثة ما بين ذلك و ذلك، أن المجموعة التي تعاني من الاغتراب تتميز عن غيرها من المجموعتين الأخريين بالاتجاهات العامة الآتية : عدم الثقة في الطبيعة الإنسانية، الخوف من الصداقة الحميمة أو التعلق بالآخرين، اتجاه سلبي نحو الثقافة بشكل عام، اتجاه سلبي نحو أي تورط أو التزام، النظرة العامة إلى الحياة بمنظار أسود على اعتبار أنها شيء لا معنى له، الانعزالية قيام الأخلاق على أساس وجهة نظر ذاتية عفوية .

أما التعبير الصريح عن هذه المشاعر فهو إظهار المرارة والغضب والسخرية اللاذعة والازدراء والأحقار ولكن بالرغم من هذه الدرجة العالية في السلبية من الأمور، إلا أن المغتربين يؤكدون بشكل مضمون وخفي على أهمية القيمة الإيجابية للعاطفة أو الشعور، وكذلك على أهمية الاتصال بين الناس، كما أنهم يظهرون بشكل أو بآخر حاجتهم إلى التعبير عن ذواتهم وعن خبرتهم في الحياة . هذا التناقض ـ كما سنراه في عدة مظاهر أخرى ـ هو أساس الحياة الوجدانية عند المغترب، نراه أيضا في أسلوب حياته بشكل عام فالمغترب لا يختلف كثيرا في أسلوب حياته عن غيره، على الأقل على المستوى السطحي ومع ذلك فإن هناك فروقا هامة في هذه الناحية بين المغترب وغيره، فالمغترب يتميز بالتحمس الشديد للأمور الفكرية، ويندمج بشدة في الاهتمامات العقلية المعرفية، إلا أنه في المواقف الاجتماعية يتجنب دائما مراكز المسئولية ويقتصر عمله في هذه المواقف دائما على القيام بدور المراقب المنفصل، غير المندمج مع الجماعة أما في نواحي العلاقات الشخصية فإنه بالقدر الذي يكون به تواقا إلى إقامتها بالقدر الذي يكون به حذرا منها .

باختصار إذن فإن المغتربين يجمعون ما بين الرغبة الجامحة في التقارب وتكوين علاقات حميمة وثيقة بالآخرين وبين الخوف من مثل هذه العلاقات أو بمعنى آخر فالبرغم من أنهم يريدون وبشدة أن يشعروا بالانتماء إلى جماعة، فإنهم يشعرون باستمرار بأنهم غير مرتاحين حتى ولو وجدوا في جماعة .

إن هذه الحالة ليست غير شائعة وفي بداية المراهقة ـ حيث يكون المراهق لأسباب اجتماعية وثقافية سبقت الإشارة إليها مشغولا إلى أبعد حد بمشاعره وأفكاره الخاصة ووفي هذه الحالة قد ينعزل عن التفاعل الاجتماعي ويشعر بأنه لا يرغب في أن يشرك الآخرين فيما يعنانيه من قابلية للتجريح في نواحي النمو الجسمي والعقلي والاجتماعي . وبهذا المعنى فمن الممكن القول بأن معظم المراهقين في الثقافة التقليدية التي نعيش فيها يشعرون بشيء من الوحدة أو التفرد والعزلة التي يتضمنها معنى الاغتراب . فحتى مع الرفاق يكون هناك باستمرار نوع من التحفظ والحرص فيما يتعلق بمشاركة الآخرين في المشاعر والهموم خوفا من النبذ أو التجريح أول التحقير، إن مثل هذا الموقف الذي يتخذه المراهق في علاقاته الشخصية والذي يتسم بشيء من أو الظهور بمظهر الشخص المتماسك ( وليس المتهالك ) لهو أشبه " برد الفعل " في مفهوم التحليل النفسي بعبارة أخرى فإن أزمة الانتماء أو الشعور بالاغتراب عند المراهق في المرحلة المبكرة هي نوع من الحلول للصراع بيت ما يتطلع إليه المراهق من الجماعة وما يخشى أن يتعرض له من رفض لسبب أو لآخر وهميا كان أم واقعيا وهذا الموقف الصراعي بدوره ليس إلا نتيجة للحساسية الزائدة نحو الذات والتمركز حولها في هذه المرحلة .

وقد يتفاقم هذا الموقف بشكل أكبر إذا ما تدخل الكبير بطريقة غير موفقة فقد يضطر المراهق أن يقصر علاقاته على جماعة معينة محدودة في حين لا تتقبله هذه الجماعة وقد يبحث المراهق عن الجماعة التي تشبع حاجاته الذاتية فلا يجد واحدة منها يمكن أن تؤدي هذه الوظيفة وقد تغلق الجماعات المختلفة أبوابها في وجه المراهق ، في كل حالة من هذه الحالات قد لا ينجح المراهق في أن يصبح عضوا في جماعة بالمرة، بل قد يصبح بالتدريج منعزلا لا يجد أي جماعة تقبله في المجتمع .

على أننا يجب أن نؤكد مرة أخرى على أن هذا الموقف بالنسبة للمراهق في بداية المرحلة يعتبر موقفا عاديا جدا، وأن الحل الإيجابي لهذه الأزمة هو الحل الأكثر شيوعا من الحل السلبي وربما كانت هذه هي الحالة الوحيدة التي يقع فيها المراهق في أزمة مع جماعة الرفاق وليس مع الكبار . على أننا لا ننكر في الوقت نفسه أن هناك حالات تفشل في حل هذه الأزمة . والمتوقع أن الظروف التي تساعد على استمرار هذه الأزمة وعدم قدرة المراهق على تجاوزها لن تزول قريبا وبالتالي فإننا نتوقع ازديادا في حالات الشعور بالاغتراب عند الشباب .

فطالما بقيت فترة الإعداد لمرحلة الرشد في المجتمع الصناعي المتطور على هذه الدرجة من الطول وطالما ظل الشباب في هذه الفترة معزولا في كلياته أو في دراساته العليا أو المهنية انعزالا يجعله بعيدا كل البعد عن المشاركة في الحياة العامة أو في تقرير المصير، وطالما ظل دور الشباب في المجتمع أقرب إلى السلبية منه إلى الإيجابية، أقرب إلى الانعزال منه إلى المشاركة والانتماء وطالما بقيت مشاعر الإحباط الناجمة عن تأجيل إشباع حاجات أساسية كالزواج والاستقلال وغير ذلك طالما ظلت مل هذه الظروف قائمة فسوف تتكون باستمرار مجموعة من الشباب الموهوب الحساس الذي يشعر أنه منبوذ بدرجة لا يستطيع معها أن يقاوم الشعور بالاغتراب .

  • Currently 247/5 Stars.
  • 1 2 3 4 5
84 تصويتات / 1739 مشاهدة

ابحث

تسجيل الدخول

عدد زيارات الموقع

17,162,184

تعالَ إلى بيوتنا على فيسبوك