تمثل البيئة مظلة كبرى، فهي تعني كل ما يحيط بنا من عوامل طبيعية واجتماعية، سواء كنا نعي ونحس بها أو كانت خافية علينا، فنحن قول إن الإنسان ابن بيئته، ونطالب بتوفير بيئة صالحة لأطفالنا. ويهتم المشتغلون بالعلوم النفسية بدراسة التفاعل بين الطفل وبيئته، سواء كانت البيئة الاجتماعية أو البيئة الطبيعية، وهي موضوع هذا المقال. فهناك دراسات تمس تأثير المناخ على الأطفال، أو تأثير الموقع، بل هناك دراسات حول تأثير تعاقب الليل والنهار على أداء الأطفال، فهناك أطفال يكونون أكثر كفاءة أثناء النهار، وآخرون يكونون أكثر كفاءة أثناء الليل.

البيئة الطبيعية من حولنا زاخرة بالكائنات التي يتجاوز علمنا بها 10%.. هذه البيئة الطبيعية تشمل المناخ، والنبات، والحيوان، وما في باطن الأرض من معادن، وبراكين، وما في الغلاف الجوي من أجرام، وبقدر ما بسط الله الرزق للإنسان في الأرض، وطالبه بالسعي والإعمار بقدر ما وهبه من العقل والحكمة؛ مما ييسر له هذا السعي.

من هنا كان اهتمام المشتغلين بعلم النفس بدراسة الذكاء، الذي يلخص قدرات البشر وطاقاتهم في التفاعل مع البيئة بكل ما تحتويه من عناصر اجتماعية أو طبيعية، فبقدر ما أودع الخالق في الأرض من أسرار، أودع الإنسان الحكمة والذكاء.

فالذكاء في معناه العام هو القدرة على التوافق والتفاعل الإيجابي مع البيئة، فنحن نقول عن الطفل ذكي عندما يسبق أقرانه في اللغة، فنقول هذا دليل على الذكاء اللغوي، وإذا أحب الموسيقى، وكان يردد الألحان التي يسمعها بدقة، نقول هذا دليل على الذكاء الموسيقي، وإذا كان رشيق الحركة قادرًا على حفظ توازنه، فهذا دليل على الذكاء المكاني، وإذا كان ودودًا مقدرًا لمشاعر الغير، فهذا دليل على الذكاء الاجتماعي، وإذا كان يعرف ما يحتاج إليه ويطلبه، ولا يعرض نفسه للمشكلات، فهذا دليل على الذكاء الشخصي.. هذا ما قدمه لنا العالم النفسي هوارد جاردنر في نظريته عن الذكاء المتعدد، والذي يعنينا منها الذكاء الثامن.. ذكاء التناغم مع الطبيعة، وهي ترجمة متحررة تعكس وجهة نظر الكاتبة لمفهوم جاردنر Natrualist intelligence، حيث يوظف الإنسان حواسه وطاقاته وذكاءه لفهم عناصر البيئة الطبيعية، فيتعمق وعيه ببيئته، ويزداد فهمه لها، واقترابًا منها، وبدون هذا الفهم والوعي والاقتراب يفقد الإنسان إنسانيته.

وقد اكتسب هذا الذكاء الثامن قيمة مضاعفة نتيجة للمشكلات المعاصرة للبيئة. فإذا كان الذكاء في أساسه حل المشكلات والتوافق والتناغم مع البيئة بشكل عام، فذكاء التناغم مع البيئة الطبيعية يمكن الإنسان من حل مشكلاتها، كيف تلاحظ ذكاء التناغم مع الطبيعة لدى أطفالنا، كيف نحرص عليه، أو نهتم به، وننميه، بنفس القدر من حرصنا على تنمية الذكاء الفردي أو اللغوي أو الاجتماعي... الخ.

نبدأ فيما يلي بتعريف ما نقصده بذكاء التناغم مع البيئة:

  •  يحب زيارة الحدائق العامة وحدائق الحيوان وغيرها من الأماكن التي تتوفر فيها الزهور والطيور والحيوانات، كما يحب زيارة متاحف التاريخ الطبيعي.
  •  يجمع أشياء من الطبيعة كريش الطيور وأوراق الشجر وأصداف البحر، والصخور وغيرها.
  •   يجفف الزهور وأوراق الشجر.
  •  يسعده مراقبة البيئة الطبيعية، وملاحظة أدق التفاصيل فيما يراه من عناصرها (زهور – حيوانات – طيور – نجوم – سحاب).
  •   يربى نباتات أو طيورًا أو حيوانات، ويسعده رعايتها، أو يضع طعامًا (حيويًا) للطيور بشرفة المنزل.
  •   ينشغل بملاحظة مراحل نمو ما حوله من كائنات أو نبات.
  •   يسعده ملاحظة حركة الطبيعة كما تظهر في تعاقب الليل والنهار، في حركة القمر واكتماله، في شروق الشمس وغروبها.
  •  لديه اهتمام خاص بتأمل الطبيعة.
  •  يهتم بالإنصات للأصوات المختلفة كأصوات الطيور، والكائنات الصغيرة، وصوت الأشجار.
  •  يسعى لاقتناء أدوات بسيطة تمكنه من ملاحظة عناصر البيئة بصورة أدق كالعدسات المكبرة.
  •   يسعى لاقتناء أدوات بسيطة كالصنارة أو الشبكة.
  •   يرسم صورًا لعناصر البيئة الطبيعية أو يجمع صورها.
  •   يستمتع ببرامج التليفزيون التي تهتم بالبيئة الطبيعية، كعالم الحيوان وغيره من البرامج.
  •  يقتني الكتب والمجلات المصورة عن البيئة الطبيعية.
  •  لديه اهتمام خاص بالصحراء والبحار والسماء والنجوم وغيرها من عناصر البيئة الطبيعية.
  •  كثير التساؤل عن عناصر البيئة الطبيعية لماذا يحدث؟ ما علاقة شيء بآخر؟... الخ
  •   يهتم بمتابعة ما يتناول المحميات الطبيعية، وجمعيات الرفق بالحيوان، والحيوانات المنقرضة.
  •   يستخدم كل حواسه في اكتشاف عناصر البيئة الطبيعية.
  • هذه الخصائص تصف جانبًا مهمًا من ذكاء التناغم مع البيئة الطبيعية، ولا ندعي أن أطفالنا لديهم كل هذه الخصائص، بل ولا ندعي أن لدينا كل هذه الخصائص.. فكل منا لديه شيء منها، أو قدر منها؛ لأن كلاً منا لديه قدر من ذكاء التناغم مع البيئة.

وهنا نتوقف ونتساءل: ما مدى اهتمامنا بهذا الجانب، سواء في شخصيتنا، أو شخصية أطفالنا؟ وما مدى حرصنا على تنميته، من منا يلاحظ هذا الجانب لدى أطفالنا؟ ومن منا يشجعه؟ نحن نشجع أطفالنا على تعلم المواد الدراسية، ونعدهم لذلك منذ الطفولة المبكرة، نحن نشجع أطفالنا ونعدهم لتعلم الآداب الاجتماعية، أو ممارسة الرياضة.. ولكن هل نعدهم للتناغم مع البيئة الطبيعية؟ هل نوفر لهم الفرص التي تنشط لديهم هذا التناغم؟ لقد اكتسحت التكنولوجيا ثقافتنا المعاصرة، فتراجعت أمامها العلاقة الحميمة بين الإنسان وبيئته الطبيعية. ولكن إذا كان عصر المعلوماتية يتطلب التناغم مع التكنولوجيا المتقدمة، فإن جودة الحياة في عصر المعلوماتية تتطلب التناغم مع البيئة الطبيعية، ولا بد للأسرة والمدرسة أن تتيح أفضل الفرص للأطفال كي ينمو ذكاء التناغم مع الطبيعة لديهم.

هناك حركة عالمية هدفها تنمية ذكاء التناغم مع الطبيعة، وتأخذ هذه الحركة أشكالاً متعددة، نكتفي منها بمثلين مختصرين، الأول برنامج شبكة التربية البيئية لأنهار العالم Global Rivers Environmental Education وتختصر الحروف الأولى لتصبح Network Green.
وقد بدأ هذا البرنامج عام 1980 بالولايات المتحدة الأمريكية، ومنها انتشر إلى 136 دولة، تشترك فيه الحكومات والجمعيات الأهلية، ويطبق هذا البرنامج في العديد من مدارس الدول الـ 136.

وفي إطار هذا البرنامج يقوم التلاميذ بأنشطة لتعرُّف البيئة الطبيعية خارج أسوار المدرسة، وتشمل هذه الأنشطة زيارات لمصادر المياه، حيث يشجع التلاميذ على أخذ عينات يقومون بتحليلها بأبسط الطرق والأدوات تحت إشراف المعلمين، حتى ينمو لديهم الوعي بأهمية المياه وخطورة التلوث منذ طفولتهم، ويتضمن البرنامج خبرات وأنشطة عن تنقية المياه، وتحلية مياه البحر، وإعادة استخدام مياه الصرف، ومصادر الهدر، والقيمة السياسية والاقتصادية للمياه. ويشمل هذا البرنامج الأطفال في مراحل الدراسة الأولى.

التجربة الثانية، وتسعى لتعميق علاقة الطفل ببيئته، ويمكن لأي معلم القيام بها. يحضر كل طفل حبلاً طوله متر، ويقوم باستخدامه كمحيط أو سور لمربع في أي مكان في حديقة المدرسة (فناء)، ويطلب المعلم من الأطفال أن يتوقعوا ما سوف يجدونه في داخل المربع، يذهب كل طفل إلى حيث يريد في فناء المدرسة، ويقوم بعمل ملاحظة دقيقة تحت إشراف وتوجيه المعلم لكل ما يجده داخل حدود مربعه. وبعد العودة إلى الفصل يذكر كل طفل ما وجده، وينشط المعلم المقارنة بين الأطفال، فيقارن كل طفل ما توقعه بما وجده، أو يقارن ما وجده بما يتمناه، أو يقارن ما وجده بما وجده زميله، ومن هنا تبدأ تدريبات كثيرة، فقد يقرر الأطفال عدم رضاهم عما وجدوه، ورغبتهم في تغيير هذه البيئة، ويقدمون مقترحاتهم، وقد يبدءون فعلاً في تعديل البيئة في حدود ما تسمح به قدراتهم وإمكانيات المدرسة.

قبل أن أستطرد في الحديث أو التعليق على هاتين التجربتين أضع نفسي مكان القارئ، فقد يرى أن هذه التجارب تتطلب مناخًا تربويًا لا يتوافر في فصول تضم سبعين طفلاً في بعض الأحيان، بعضهم لا يجد مقعدًا، وفي مدرسة امتلأت بالمباني، فلم يعد هناك موضع لتجربة أو ملاحظة في فناء أو حديقة، ومن ثم يكون عرض هاتين التجربتين ضربًا من الخيال.

وهذا أمر برغم أنه واقع، فإنه مردود عليه، فالتجربتان تقدمان توجهًا غير ملزم، كما تمثلان ما يحدث في العالم الذي نعيشه, أو العالم الذي سيعيشه أبناؤنا وأحفادنا. إن تنمية ذكاء التناغم مع الطبيعة ليست ترفًا، وإنما هي في جوهر بناء التفاعل الإيجابي بين الإنسان وبيئته الطبيعية بكل ما يحمله هذا التفاعل من معنى الوجود الإنساني.

يضيف المهتمون بتنمية ذكاء التناغم مع البيئة الطبيعية قائمة من العناصر يمكن للآباء والمعلمين أن يوظفوها من أجل تعميق وعي الأطفال وتنمية ذكائهم، وسوف نذكر هذه القائمة باختصار شديد، وللمهتمين أن يتخذوا منها نقطة بدء يبنون عليها من المعارف والأنشطة ما يناسب أطفالهم، في هذه القائمة لبحث عن المعرفة بما يدرب الطفل على البحث، وينمي لديه حب الاستطلاع.. ندعوك لتشارك طفلك في البحث عن معرفة عناصر البيئة الطبيعية، مثل: الفلك، الحيوانات، الطيور، الفراشات، المحميات الطبيعية، الصحراء، الأرض، الأسماك، الزهور، الغابات، الزراعة، المعادن، الحشرات، البحيرات، الجبال، المحيطات، المحاصيل، الأنهار، الصخور، فصول السنة، البذور، القواقع والأصداف، النجوم، المد والجزر، الأشجار البراكين، المناخ، الحياة البرية.

هذه بعض عناصر البيئة الطبيعية، كيف تنمي اهتمام طفلك بها؟ كيف ينمي هذا الاهتمام معلومات طفلك وتفكيره وخياله؟ كيف نساعد الطفل على أن يعمق وعيه بالبيئة الطبيعية؟ فكلما تعمق وعي الطفل ببيئته الطبيعية. تعمق وعيه بالخالق، وبذاته.

المصدر:

  • مجلة خطوة العدد 18 - ديسمبر 2002
  • أ. د. صفاء الأعسر - أستاذ بكلية البنات – جامعة عين شمس - مصر
  • Currently 323/5 Stars.
  • 1 2 3 4 5
108 تصويتات / 3549 مشاهدة

ابحث

تسجيل الدخول

عدد زيارات الموقع

16,671,156

تعالَ إلى بيوتنا على فيسبوك