وقد يلجأ المراهق إلى حل أزمة الذاتية عن طريق عكس السابق تماما، وهو طريق الانتماء إلى إحدى الجماعات السياسية أو الدينية المتطرفة وعادة ما يكون نشاط هذه الجماعة موجها نحو محاولة إحداث تغييرات جذرية في الممارسات التقليدية، أو نحو التورط في تغيير النظام القائم عن طريق استخدام العنف وتؤدي العضوية في هذه الجماعات إلى إزالة القلق عند المراهق، عن طريق الشعور بالتوحد مع جماعة منظمة لها أهداف واضحة ونظام قيمي محدد وإن كان موجها توجيها هداما وليس بناء .

ويجذب المراهق نحو هذه الجماعات، ويدعم استمراره في التعلق بها، التوجيه الثوري لمثل هذه الجماعات . ذلك أن المراهق الذي لم ينجح في تحديد هويته، يجد في هذا التوجيه تغذية لموقفه الرافض أساسا للأدوار الاجتماعية القائمة أو على الأقل لوقوفه موقف اللامبالاة وعدم التقبل الذي أشرنا إليه سابقا .

كذلك قد تتيح هذه العضوية الفرصة للمراهق لتجريب القيام بدور القيادة في النواحي السياسية أو الدينية، فتسمح له بممارسة توحده القديم مع إحدى الشخصيات ذات الزعامة في أحد هذين المجالين . ثم هي في النهاية تقدم له متنفسا تمتص انفعالاته وإحباطاته الناتجة عن عدم قدرته على الوصول إلى قرار، حيث يصبح الطريق مفتوحا عند ذلك أمام العنف . وقد تقوم هذه الجمعيات من ناحيتها بعوامل جذب أخرى تتفق ووضع المراهق من حيث حاجته إلى بعض المدعمات الضرورية الأخرى إلى جانب حاجته إلى " المرساة " التي يضع عليه قدميه . استمع إلى هذه الفتاة تتحدث عن الأساليب التي تتخذها هذه الجمعيات بهذا الصدد " عندما التحقت بكلية العلوم أرسلت إلى جمعية . . . رسالة يعرضون فيها على كل التسهيلات الممكنة فاقترحوا على سبيل المثال توفير وسيلة للانتقال وإعداد المحاضرات المطبوعة على الآلة الكاتبة، وفي بعض الأحيان كانوا يعرضون تقديم الزي أيضا في وقت ترتفع فيه أسعار كل شيء، وبالمقابل يطلب هؤلاء الاستماع إلى خطبهم التي تدعوا إلى نبذ كل ما هو قائم والعودة إلى طريق الخلاص .

باختصار إذن قد يجد المراهق أن عضوية مثل هذه الجماعات يوفر له إشباعا لحاجات أساسية لا غنى له عنها فهي توفر له، أولا حاجته إلى الانتماء وتزيل عنده الشعور بالاغتراب الذي قد يعاني منه في مجتمعه توفر له، ثانيا إطارا مرجعيا محددا وواضحا في الوقت الذي يكون فيه شاعرا بالضياع كنتيجة لفقدان السيطرة على الذات أو التحكم في المستقبل وهي ثالثا تشجع لديه الثورة على الأوضاع القائمة والرفض للأدوار التي لا يستطيع أو لا يملك أن يحدد ذاتيته في أحد منها وتكون النتيجة في النهاية هي تدعيم بقائه فيها وصعوبة التخلي عنها، ويؤدي هذا بدوره إلى تأكيد النظرة الضيقة إلى التركيب الاجتماعي وتفسير مشكلاته . ذلك أن المراهق الذي تكون لديه قابلية شديدة للتأثر ـ كما سبق أو أوضحنا ـ والذي تكون لديه في نفس الوقت نظرة ساذجة لخريطة التركيب الاجتماعي قد يخسر الكثير فيما يتعلق بنمو قدراته المعرفية في مقابل حل مشكلاته الانفعالية عن طريق عضويته في مثل هذه الجماعات . إن مثل هذه العضوية تباعد بين المراهق وبين الفرص المتاحة له لاختبار الحقائق والوقوف على أرض الواقع في المجتمع الذي يعيش فيه . وبالتالي فإنه يأخذ أكثر فأكثر في الاقتراب من حالات الهذاء والاضطرابات العقلية الأخرى القائمة على أساس من الانفصال عن الواقع ولعل ذلك يفسر لنا حالات الهوس أو التبلد العاطفي أو التعصب الأعمى الذي يلاحظ عند أعضاء هذه الجماعات .

وقد يمعن بعض هذه الجماعات في البعد عن الواقع الاجتماعي بالهجرة إلى بعض الأماكن النائية والعيش معا هناك ويتضمن هذا منتهى الرفض للأوضاع القائمة، كما يتضمن أيضا منتهى التقليل من الفرص المتاحة لاختبار الحقائق والوقوف على أرض الواقع .

وهكذا كنتيجة لفشل المراهق في تحديد أدواره المستقبلية قد يزداد لديه الشعور بالقلق والأحباط والغضب وعدم الرضا وقد يلجأ لذلك بطريقة عصبية إلى إزالة هذه التوترات عن طريق اللجوء إلى أساليب إنحرافية : عدوانية أو انسحابية بحيث نجد أنفسنا في النهاية أمام قطاع كبير من المراهقين الذين يضلون الطريق في أثناء البحث عن هوية بهم، تحت ظروف تغيب فيها الرؤية التي يمكن أن تقودهم إلى الطريق السوي .

  • Currently 211/5 Stars.
  • 1 2 3 4 5
71 تصويتات / 1041 مشاهدة
نشرت فى 26 يونيو 2007 بواسطة byotna

ابحث

تسجيل الدخول

عدد زيارات الموقع

17,162,316

تعالَ إلى بيوتنا على فيسبوك